الشيخ الطبرسي

420

تفسير مجمع البيان

لحق المشركين من الغم يوم بدر من جهة المسلمين ، إنما توجب المجازاة بالكرامة دون الغم وخامسها : إن المراد غم المشركين ، بما ظهر من قوة المسلمين على طلبهم ، وخروجهم إلى ( حمراء الأسد ) فجعل هذا الغم عوضا عن غم المسلمين ، بما نيل منهم ، عن الحسين بن علي المغربي . وإنما قيل في الغم ثواب ، لأن أصله ما يرجع إلى المجازاة على الفعل ، طاعة كان أو معصية ، ثم كثر في جزاء الطاعة ، فهو كما قال الشاعر : وأراني طربا في إثرهم * طرب الواله ، أو كالمختبل وقيل : إنه مما وضع مكان غيره ، كقوله تعالى : ( فبشرهم بعذاب أليم ) أي : ضعه موضع البشارة ، فهو كما قال الشاعر : أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا ، أو مدحرجة سمرا ( 1 ) ( لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ) معناه : فعل بكم هذا الغم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ، ولا تتركوا أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ، ولئلا تحزنوا على ما أصابكم من الشدائد في سبيل الله ، وليكن غمكم بأن خالفتم النبي فقط . وتقديره : ليشغلكم حزنكم على سوء ما صنعتم ، عن الحزن على غيره . وقيل : معناه ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ، فإن عفو الله تعالى يذهب كل حزن . ( والله خبير بما تعملون ) فيه ترغيب في الطاعة ، وترهيب عن المعصية . ثم ذكر ما أنعم به عليهم بعد ذلك حتى تراجعوا وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ، فأنزل النعاس عليهم في تلك الحالة ، حتى كانوا يسقطون على الأرض . وكان المنافقون لا يستقرون ، حتى طارت عقولهم ، فقال : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ) : لفظ الإنزال توسع ومعناه : ثم وهب الله لكم أيها المؤمنون بعد ما نالكم من يوم أحد من الغم ، أمنة يعني أمنا . نعاسا أي : نوما . وهو بدل الاشتمال عن ( أمنة ) لأن النوم يشتمل على الأمن ، لأن الخائف لا ينام . ثم ذكر سبحانه أن تلك الأمنة لم تكن عامة ، بل كانت لأهل الإخلاص ، وبقي لأهل النفاق الخوف والسهر ، فقال : ( يغشى طائفة منكم ) يعني المؤمنين ألقى عليهم النوم ، وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع إلى القتال ، فقعد

--> ( 1 ) الأدهم : القيد . المدحرجة : المدورة كنى بها عن المعلق .